في التحذير من جريمة القتل

 

 

الحمد لله (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم  أيُّكم  أحسن عملاً وهو العزيز الغفور)[الملك:2]، أحمده سبحانه وأشكره، (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون)[القصص:70]، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، وهدى للناس أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها المسلمون أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فما أوصى موص بخير منها، وما عمل عامل بأفضل منها، إنها أعظمُ وصية، وأفخرُ لباس وحِلية، يقول عز وجل: (ولباسُ التقوى ذلك خير)[الأعراف: 26].

عباد الله: لقد كرم الله تعالى بني آدم، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، فضلهم تعالى وشرفهم، وأحاطهم وأولاهم بأنواع من التبجيل والتكريم، وشرع لهم من الشرائع والأحكام ما يكفل لهم حياة طيبة وسعادة دائمة في الدنيا والآخرة (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّه حياةً طيِّبة ولنجزينَّهـم أجرهـم بأحسنِ ما كانوا يعملون)[النحل: 97].

أيها المسلمون: لقد جاءت شريعة الإسلام المباركة - فيما جاءت به من تشريعات وأحكام - بما يحقق الأمن والاطمئنان لبني الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وفي الآخرة، واتفقت الشرائع السماوية على حفظ الضروريات للحياة الإنسانية، ووجوب رعايتها، والعناية بها.

وإنَّ في طليعة هذه الضروريات التي اتفقت الشرائع على رعايتها حفظَ النفس الإنسانية، والعنايةَ بسلامة الأرواح البشرية عن كل بغي وعدوان قد يُلحق بها ضرراً، أو يودي بها إلى التلف والهلاك، إلا أن تستوجب ذلك حين تتجاوز سنن الله المشروعة، وأحكامه المفروضة، فعندئذ ترتفع عنها الحصانة الشرعية، والحرمة الربانية، وتستحق حينئذ أن تعاقب على قدر جنايتها، وأن تجازى بمثل صنيعها، جزاء ما اقترفت، ومؤاخذة بما فعلت، وما ربك بظلام للعبيد، يقول عز وجل في النهي عن قتل النفس بغير حق: (ولا تقتلوا النفسَ التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) [الأنعام:151]. إنه الحق الذي شرعه الله تعالى، وأوضحه رسوله e فيما ثبت عنه عند البخاري ومسلم أنه e قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، أما ما سوى هذا الحق المشروع في إزهاق الروح الإنسانية، فقد حرمه الإسلام أعظم تحريم، ونهى عنه النهي الشديد، وعدَّ إزهاق روح المعصوم مسلماً كان أو غير مسلم عمداً وقصداً، جريمةً من أعظم الجرائم، وكبيرةً من أكبر الكبائر، وموبقةً من أخطر الموبقات، تلي الشرك بالله تعالى في الإثم والعقوبة، يدل على ذلك ما أخرجه الشيخان:    ( أنه e سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني حليلة جارك، فأنزل الله عز وجل تصديقها في قوله سبحانه: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً،يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيهِ مهاناً)[الفرقان:68- 69].

ولقد بلغ من تحريم الإسلام لهذه الجريمة النكراء أن الله تعالى جعل قتل النفس الواحدة تعدل جريمة قتل الناس جميعاً، وذلك لأن حق الحياة ثابت لكل نفس، فقتل واحدة من هذه النفوس يعتبر تعدياً على الحياة البشرية كلها، كما قال عز وجل:  (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنَّه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)[المائدة: 32].

وحينما بُعث e كان القتل فاشياً في أهل الجاهلية، يزهقون الأرواح عدواناً وظلماً، وتثور بينهم الحروب الطاحنة التي يروح ضحيتها الكثير من النفوس البريئة عند أتفه الأسباب، فعمل e على القضاء على ذلك، وأكد ما جاء في كتاب الله تعـالى من النهي عن القتل، والعدوان على النفس المعصومة، مندداً e غاية التنديد بمن يرتكب ذلك، مبيناً ما توعد الله تعالى به من أقدم على إزهاق روح المعصوم بغير حق من شديد العقاب، وسوء الحال والمآل، فقال e: (اجتنبوا السبع الموبقات – يعني المهلكات – ثم عد منها e قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق). رواه البخاري ومسلم. ولهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله e قال: ( أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور). وروى الترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي e أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)، قال الإمام ابن العربي رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: " ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي؟ فكيف بالمسلم؟ فكيف بالتقي الصالح " ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً). رواه البخاري في صحيحه، وله أيضاً أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفكَ الدم الحرام بغير حله".

ولقد بلغ من تحذيره e عن قتل النفس اعتباره أن الإعانة على ذلك ولو بأدنى إعانة مشاركةٌ للقاتل في الجريمة، تستوجب لصاحبها المقت والطرد من رحمة الله ورضوانه، فقد روي عنه e أنه قال: (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله). رواه ابن ماجه، والبيهقي بنحوه. وروى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله e أنه قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار).

عباد الله: أبَعْد هذه الزواجر والقوارع من الشارع يفكر من له أدنى لب، أو فيه أضعف إيمان، في الإقدام على إزهاق روح امرئ معصوم بغير حق، غير عابئ بما يكون جراء ذلك من أضرار عظمى، ومفاسد كبرى، لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.

إنه لا يقدم على اقتراف هذه الجريمة النكراء، والفعلة الشنعاء، مهما كان الدافع لها والحامل عليها، إلا من تأصل الشرُّ في نفسه، والعدوانُ في طبعه، واستولت عليه الغفلة، وانتُزِعت من قلبه الرحمة، وانعدم ضميره، وتخلى عن بشريته، وأشبه السباع الضارية، والوحوش المفترسة، فحق عليه بذلك غضب الله ومقته، واستحق أن يوقَع به أعظمُ عقوبة في الدنيا، بأن يقتل قصاصاً إن اختار الأولياء ذلك، عملاً بقوله عز وجل: (وكتبنا عليهم فيها أنَّ النفس بالنفس)[المائدة:45]، وما هذه العقوبة البليغة إلا مجازاة له بمثل صنيعه، ومؤاخذة له بجنس جريمته، جزاء وفاقاً، ولا يظلم ربك أحداً.

أما العقوبة في الآخرة فإنها أعظم بأساً، وأشد تنكيلاً، أفصح عنها ربنا جل وعلا في معرض التحذير من اقتراف هذه الجريمة بقوله سبحانه: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً)[النساء: 93]، وأما إن كان المقتول من غير أهل الإسلام ممن أُعطي العهد والأمان بحقن دمه، وحفظ حقوقه، فقد أبان e عن عقوبة قاتله بقوله e: (من قتل معاهداً لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً). رواه البخاري وغيره.

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا مما حذركم الله منه، واجتنبوا ما نهاكم عنه، وتعاونوا على كف البغي والعدوان، والأخذِ على أيدي المجرمين المعتدين، وتنفيذ أحكام الله تعالى فيهم، دون رأفة أو هوادة، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، فإن ذلك مما يكفل لكم الأمن والأمان في البلاد، وينشر الطمأنينة والسلام بين العباد، كما قال الحق عز شأنه: (ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون)[البقرة:179].

نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

أول الخطبة الثانية

الحمد لله الولي الحميد، الفعال لما يريد، أحمده سبحانه وأشكره على فضله المزيد، وإنعامه المديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، والطَّول الشديد، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أولي الهدي السديد، والعمل الرشيد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واحذروا الانقياد للهوى، والاتباع للنفس الأمارة بالسوء، فكم أوردا موارد العطب والهلاك.

ألا وإنَّ من أسوأ ذلك ضرراً، وأعظمِه خطراً على المسلم، أن تسوِّلَ له نفسه الإقدام على إنهاء حياته، وإزهاق روحه، حين يُمنى بالفشل فيما أمَّل وتمنى، أو حين يبتلى بأنواع من المصائب والرزايا، فينفد منه الصبر، ويضعف عن التجلد عند الخطوب، فيرى أن الحياة قد ضاقت به ذرعاً، ويستولي عليه اليأس من رَوْحِ الله، ويبلغ به القنوط من رحمة ربه منتهاه، فيقدم على إزهاق روحه، ليضع حداً لما يمر به من شقاء، وما يكابد من عناء على حد زعمه، ويتجرع كأس المنية بيده، في أفظع تجربة يمنى بها المرء حين يفقد إيمانه ورشده، ويحل عليه بذلك غضب الجبار وسخطه، وهو يظن أنه بهذا الانتحار يَخْلُصُ إلى حياة لا يشوبها كدر، ولا ينغصها منغص، ولم يَدُر بخلده أن ذلك من أسباب شقائه، ودوام عذابه عياذاً بالله تعالى، فإنَّ مقتضى العدل الإلهي أن يعامل بنقيض قصده، وعلى عكس ظنه، حيث أعد الله له جزاء من جنس عمله، إمعاناً في النكاية به، وامتداداً لتعذيبه لنفسه، كما جاء في الحديث عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي e قال: (كان برجُل جراحٌ فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة). أخرجاه في الصحيحين، ولهما أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)، والله عز وجل يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إنَّ الله كان بكم رحيماًومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً)[النساء:29-30]

فأيُّ وعيد يا عباد الله أعظم من هذا الوعيد!، وأي حرمان بعد هذا الحرمان من منازل الرحمة والرضوان!.

 ألا فاتقوا الله عباد الله واطووا مرحلة الحياة بخطى ثابتة، لا تُحَوِّلها عن الإيمان وتعاليم الدين عواصفُ الفتن، ولا تزحزحها عن الرضا بقضاء الله وقدره الشدائد والمحن، ولا يخرجها عن الرشاد إلى الضلال استفزازات الشيطان وتسويلاته: (إنَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)[فاطر:6].

المرفقالحجم
ملف 36في التحذير من جريمة القتل.docx37.11 كيلوبايت
 

 

الحمد لله (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم  أيُّكم  أحسن عملاً وهو العزيز الغفور)[الملك:2]، أحمده سبحانه وأشكره، (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون)[القصص:70]، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، وهدى للناس أجمعين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين." data-share-imageurl="">