الاستقامة على نهج الهدى

(بعد انتهاء موسم الحج).

 

الحمد لله الباقي على الدوام، المتفضل على عباده بجزيل العطاء والإنعام، أحمده سبحانه وأشكره على مزيد الفضل والإكرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام، ومن سار على هديهم واقتفى أثرهم إلى يوم المعاد.

 

فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإنها وصية الله تعالى لعباده الأوائل والأواخر، بها تزكوا النفوس، وتصلح القلوب، وتسمو الضمائر، وبها ينال العبد شرف الدنيا، وعز الآخرة، فاتقوا الله حق التقوى، واتصفوا بها ظاهراً وباطناً، واعملوا على شكر المولى جل وعلا، على ما أولاكم من نعم عظمى، وما حباكم من آلاء تترى، حيث هداكم للإيمان، وشرفكم بالإسلام، وهيأ لكم مواسم إيمانية، وأزمنة شريفة، فضلها على سواها من الأزمان والأوقات، بما شرع فيها من أنواع القرب والطاعات، ليضاعف لكم بذلك الأجور والحسنات، ويكفر عنكم الذنوب والخطيئات، فالسعيد من العباد من وفق إلى اغتنام تلك المواسم المفضلة بما يقربه إلى ربه، ويدنيه من رحمته، لا سيما من أكرمه المولى بالحجَّ إلى هذا البيت العتيق، وكان في عداد المقبولين عند رب العالمين، لما رتب الله عز وجل على الحج إلى بيته الحرام من فضل عظيم، وثواب جزيل، بيَّنه رسول الهدى e بقوله: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة، ولهما عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، فأي فضل وجزاء أعظم من هذا الفضل والجزاء، يتفضل به المولى جل وعلا على من يشاء من عباده، وذلك هو الفضل العظيم.أما بعد:

ألا وإن من صدق الإيمان، ودلائل قبول صالح الأعمال، أن تكون حال المرء، إثر انتهائه من موسم الحج، أو غيره من مواسم العبادات، أفضل من حاله من ذي قبل، إقبالاً على الله، وتوجهًا إليه، واستقامة على نهج الهدى، واستدامة للطاعة والعبادة لله جل وعلا، فإن من أمارة قبول الطاعة، الطاعة بعدها، ومن أمارة ردها، المعصية بعدها، فما أجمل الحسنة تتبعها الحسنة، وما أقبح السيئة بعد الحسنة، والضلالة بعد الهدى.

عباد الله: إن مما يؤسى له، أن يفرط البعض في اغتنام مواسم الخيرات الربانية، والنفحات الإلهية، حتى تنقضي تلك المواسم، دون أن يقدموا لأنفسهم أعمالاً صالحة تقربهم من ربهم، وتدنيهم من رحمته ورضوانه، والأسوأ من ذلك أن يغتنم البعض تلك المواسم المشرفة بأنواع من الطاعات، وجليل الأعمال الصالحات، حتى إذا ما انقضت تلك الأزمنة المباركة، ضعف في نفوسهم داع الإيمان والتقوى، وقوي سلطان الهوى، فخف حرصهم على أداء الواجبات، والكف عن المحرمات، بل ربما أدى ببعض أولئك إلى ترك الواجبات، واقتراف الذنوب والخطيئات، فكانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، فأين هؤلاء عن آثار تلك العبادات

ألا فلتستديموا أيها المؤمنون، ويا حجاج بيت الله الحرام أمد الطاعة والإنابة لله تعالى، ولتسلكوا مسلك الهدى والرشاد الذي كنتم عليه في تلك المواسم المعظمة، والأزمنة المشرفة، فقد قال عز وجل: فإذا قضيتم مناسكم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً )[البقرة:200]، فقد كان أهل الجاهلية يشتغلون بتعداد مآثر آبائهم وأجدادهم بعد فراغهم من أداء مناسكهم، فأبدل الله تعالى أمة الإسلام ذلك بما هو خير وأنفع، وهو استدامة ذكر الله عز وجل، ليستشعر العبد وجوب الاستقامة على نهج الهدى، وإدامة الطاعة والعبادة لله جل وعلا في جميع الأوقات، وعلى كل الأحوال، فإنه ليس للاستقامة على الطاعة زمن تنتهي بانتهائه، ولا للعبادة أجل تنقضي بانقضائه، غير أن الله عز وجل قد خص بعض الأزمة بمزيد من العبادة والطاعة، ليزداد المؤمنون فيها إيماناً، وإنابة لله وخشوعًا، ولتكون عوناً لهم على الاستقامة على طريق الهدى والصلاح أيام الحياة، حتى يلقوا ربهم جل وعلا، عملاً بقوله عز شأنه: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير )[هود:112]، وفي الحديث عند مسلم وغيره عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، فقد وجه رسول الهدى e هذا السائل -رضي الله عنه- وهو توجيه للأمة كافة إلى تحقيق الإيمان المشتمل على أصول العقائد، وما يتبعه من شرائع وأحكام، ثم الاستقامة على ذلك النهج حياته كلها، حتى يلقى وجه ربه، ولذا قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: "إن الله تعالى لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )[الحجر:99]".من صلاة وصيام وصدقة وإحسان، وحج إلى هذا البيت الحرام، وذكر لله بالغدو والآصال، وغير ذلك من أنواع البر والطاعة، وما فيها من دروس الإيمان والصلاح والتقوى.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنـزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلاً من غفور رحيم )[فصلت:30-32].فاتقوا الله عباد الله، والتزموا على الدوام نهج الصلاح والهداية، وسبيل الطاعة والإنابة، فلقد وعد الله عز وجل من استقام على ذلك، بأكرم جزاء، وأعظم نعيم . إنه النعيم المقيم (في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر)[القمر:54-55] (وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلـذ الأعين، وأنتم فيها خالدون)[الزخرف:71]، فلهذه الدار فليعمل العاملون، ولأجل ذلك النعيم فليتنافس المتنافسون.

نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

أول الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على فضلة وامتنانـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه سبحانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.           أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واعملوا بطاعته ومرضاته، واشكروه جل وعلا على نعمه المتكاثرة، ومننه الضافية، ومن أحق وأولى بالشكر وإدامة الذكر في هذه الأيام منكم حجاج بيت الله الحرام، على ما يسر لكم المولى سبحانه من الوصول إلى هذه الرحاب الطاهرة، والمواطن المقدسة، وما منَّ به عليكم من أداء مناسككم بيسر وسهولة، وأمن وطمأنينة، فاشكروا الله جل وعلا على ذلك، ولتعقدوا العزم على دوام الإنابة إليه تعالى، والاستقامة على درب الهدى والفلاح، والسير على نهج الخير والصلاح، والمسارعة إلى مغفرة الله ورحمته صدقاً وإخلاصاً، فإن المؤمن حقاً يا عباد الله هو من لا تزيده نعم المولى عليه إلا تذللاً بين يديه سبحانه، وتواضعاً له، فكلما جدد الحق له نعمة، ازداد له عبودية وخضوعاً، وإنابة وخشوعاً، فكونوا عباد ا لله ممن لا تزيده النعم إلا إقبالاً على الله تعالى، وتوجهاً إليه، واستقامة على الدين، وتمسكاً بالشرع المبين، ففي ذلك الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون )[الأحقاف:13-14].

المرفقالحجم
ملف 56الاستقامة على نهج الهدى.docx40.84 كيلوبايت
(بعد انتهاء موسم الحج).

 

الحمد لله الباقي على الدوام، المتفضل على عباده بجزيل العطاء والإنعام، أحمده سبحانه وأشكره على مزيد الفضل والإكرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام، ومن سار على هديهم واقتفى أثرهم إلى يوم المعاد." data-share-imageurl="">